“لا” : المتمنّعة الراغبة!
سافر في بعثة دراسيّة إلى دولة أجنبيّة . وفي أوّل أيامه هناك تلقّى أوّل دعوة عشاء من أستاذه في الجامعة وهو شخصيّة محترمة ومحبوبة. قبل الدعوة طبعاً فاستقبله الأستاذ وزوجته بحفاوة وترحاب . سألته السيّدة إن كان يريد أن يشرب شيئاً؟أجاب “لا”شكراً. وبالتالي لم تقدّم له السيّدة أي مشروب . لم يهتم للأمر كثيراً رغم أنه لم يتناول طعام الغداء في ذلك اليوم مطمئناً نفسه بأنه موعود بوجبة عشاء دسمة. بعد محادثات ومجاملات بسيطة , سألته السيّدة إن كان يرغب في تناول العشاء الآن ؟أجاب مرّةً أخرى : “لا” وحرّك يديه وملامح وجهه في إشارة تدل على خجله. ربّما كان ينتظر موقف مُصرّ من جانبهما فيهب واقفاً. لكن بدلاً عن ذلك حدث مالا يتوقّعه . إذ أحضرا هذان الزوجان طبقيهما وتناولا عشاءهما أمامه ، يحادثانه ويتمنّيان لو أنه وافق على تناول العشاء معهما!
لم ينل صاحبنا من “لاءه” سوى أنه رجع من الدعوة جائعا دون أن يتناول طعام العشاء. وكان أصعب وأوّل درس تعلّمه في هذه البلاد هو أن يعطي الكلمات مدلولاتها الحقيقيّة التي تدلّ عليها . تعلّم فيما تعلّم أن “لا” تعني “لا” صريحة ، وأن “نعم” تعني “نعم” ببساطة . قد لايُلام صاحبنا وهو القادم من بلاد تجد في لفظة “لا” أسلوب “إتيكيتي” وسلوك أحقّ بأن يتّبع في فن “قبول الدعوة” حتى وإن كان الجواب يؤدّي بطريقة أو بأخرى إلى الـ “نعم”. نُدعى إلى وليمة ، نذهب مدجّجين بـ لاءات عديدة ، يُقرّب إلينا طبق ما ، ندفعه بـ “لا” متمنّعة , ثم بـ “لا” خجِلة ، ثم بـ “لا” راغبة , ثم بـ “لا” يسيل اللعاب من فمها ؛ قبل أن ينقذنا صاحب الدعوة برفع اليمين على أن نمد أيدينا ونأكل،نفعل ذلك على مضض وكأننا مجبرين ولسنا راغبين فيه أصلاً.هي الـ “لا” المتمنّعة الراغبة التي تعني في كثير من الأحيان “نعم” . ويختلط الحال فتصبح “نعم” أحيانا الطريق إلى “لا” في صورة مشوشة معكوسة و ملتوية الطريقة والكيفيّة .
وهكذا أصبح عدم تحرّي الدقّة في الإجابة سمة عربية تضاف إلى مسألة عدم الإهتمام بالوقت ، وعدم توخّي الدقة في المواعيد. نشير هنا إلى الكلمة -الحرفين بالأصح- التي أصبحت تحتمل أكثر من معنى . الموقف الذي يقف أمامه الشخص يحتاج إلى أكثر من تفسير , ويعتمد الشخص في تفسيره على تخمينات شخصيّة , ومعرفة بنفسية وطريقة تفكير الآخر وقد تكون هذه المعرفة دون المطلوب , أي قد تكون قاصرة أو غير دقيقة . ثم يبدأ التشويش يتّخذ فينا مجراه الذي رسمته لنا طريقة وأسلوب التربية في البداية . فـ الـ “لا” التي نُصفع بها كأوّل ردّة فعل أو جواب تتحوّل بعد مراحل صراخ أوسياسة إلى “نعم” راضخة أخيراً . الكلمة تتفرّع إلى كلمتين . والرأي يصبح رأيين أو آراء كثيرة دون الإعتماد على مبدأ معين أو منهج معيّن نستنبط منه توجّهاتنا وأفكارنا وقراراتنا أيضاً . الممنوع أصبح -مع مرور الزمن- مرغوباً . المرغوب شيئا فشيئا يصبح ممنوعاً بطريقة ديكتاتوريّة مبهمة الأسباب . “لاءاتنا” التي لم تُسمع استبدلناها -استسلاماً- بـ “نعم” . و “لاءاتنا” التي زُوّرت – رغماً عنّا- إلى نعم. كلّها أمور أسهمت في هذا التشوّش الحاصل وسبّبت خللاً في ميزان الدقّة المرجوّة.
وحين نضمن دقّة “لاءاتنا” .. هل نضمن أن “لاءاتنا” لاتُزوّر .. لمزيد من التشويش؟!
ذهب رجل إلى مركز التصويت لإنتخاب صدام حسين. عندما عاد سألته زوجته: “ماذا كتبت؟”،قال : “كتبت “لا” . صرخت الزوجة :”يامجنون ياجاهل ، هل تريد أن يعذّبوك ويقتلوك؟! عد واعتذر لهم ، قل أنّك تشوّشت فكتبت “لا” ” . فأسرع الرجل إلى مكتب الإقتراع بداعي من الخوف : ” ياأخوان تعذروني ،أنا تشوّشت وكتبت لا , وكنت أقصد نعم”.فأجابوه : “لايابني لا! لاتخاف حنّا عرفنا أنك تشوّشت وكتبت لا.وبعد مارحت إحنا صلّحناهالك إيّاها وسوّيناها نعم” . وهكذا خرجت الـ “نعم” من بطن الـ “لا” بقدرة ديموقراطيّة مشوّهة/ مشوّشة هي الأخرى.
ليس أكثر من أن نضع الـ “لا” والـ “نعم” على منصّة الخيارات , وأن نتحلّى بالصدق والجرأة والثقة بالنفس كي نضمن قرارات صائبة غير مغالطة لأنفسنا ورغباتنا . فكّر .. وازن بين الإيجابيّات والسلبيّات لأي قرار تتّخذه . ابتعد عن التلقائية في الإجابة مالم تكن الإستجابة عقلانيّة . فكّر .. ثم أجب بمايناسب الموقف والظروف والمصلحة .
تقاطع:
[من الأمور الطريفة في الحياة أنّك إذا لم ترضَ إلاّ بالأفضل فسوف تحصل عليه]-سومرست موم-
6 يونيو 2007 في الساعة 1:27 م
ابدااااااااااااااااااااااع
سلمت اناملك
تقبلي تحياتي
9 يونيو 2007 في الساعة 8:03 ص
عبدالله العرفج:
شكرا لك
وأهلا بك
.
.
20 يوليو 2007 في الساعة 4:57 ص
المشكلة أن هذه اللا (الممتنعة) أصبحت عادة لدى الجميع (أو لنقل الأغلبية) يجب علينا التأقلم معها ومقابلتها بحذر ونباهة قدر المستطاع…
من المواقف الغريبة التي حصلت لي شخصيا، ولها علاقة بهذه اللا، أن قريبا هاتفني ليتأكد من تواجدي في المنزل، حتى يمر لاستلام بعض الحاجيات التي اتفقنا عليها سابقا. أخبرته – كعادتنا – بأني بانتظاره وهي فرصة لـ “نتقهوى” مع بعض، فأكد علي أنه في عجلة من أمره ولن يدخل. وفوجئت حال وصوله أنه أطفأ سيارته، وأنا فتحت له الباب والحاجيات كانت في يدي (رغبة في تجنب تأخيره) .. مما سبب لي الكثير من الإحراج !
21 يوليو 2007 في الساعة 1:49 ص
..
أليست ثقافتنا الإجتماعيّة علّمتنا ذلك!
البعض يعتبر هذه الـ “لا” المتمنّعة خجل لا بد منه .. لكنه خجل سرعان ما يتحوّل إلى “قطّة وجه”
أحيانا !
على هذه الحال سنعتبر كل “لا” = “نعم” بطريقة مراوغة..
كثيراً مانصادف مثل قريبك ..
شكرا لزيارتك التي أود لو تتكرر دائما
أهلاً بك
.
.
6 أغسطس 2007 في الساعة 4:45 ص
جميل جدا
استغرب اوجها كثيرة في تعاملنا الاجتماعي اليومي
و اليوم بان لي وجه آخر
الشكر لك
يا ترا ما الحل، الثقافة؟ الأخلاق؟ محتمل
تحياتي
7 أغسطس 2007 في الساعة 2:39 ص
..
صالح :
ربما هذه الأمور التي لا ننتبه لها ، لكنها واقعة كثيراً
وتستهلك منّا أكثر وأكبر مما نعي ، دون أن نشعر ..
لسنا عمليّون أبداً في هذه الناحية ..
التربية جزء من المشكلة ..
ولحلّها يلزمنا توعية ، أو حتى بعض دورات لتطوير الذات ..
أن ندرك مانريد في أبسط صورة
أهلاً بك أخي صالح
سعيدة بزيارتك
.
.
1 يناير 2008 في الساعة 9:41 م
موضوع رائع …ولكن وبالرغم من روعة الموضوع
سنظل نحتفظ بلاءاتنا الخجولة ..
وفقك الله
5 يناير 2008 في الساعة 7:34 م
محمد:
شكرا لبعثك هذا المقال..
شاكرة ذوقك
دمت
14 فبراير 2008 في الساعة 9:39 م
للاسف هذه اللاءات الخجولة هي التي تضيعنا ,,
موضوع رااائع ,,
أتمنى لو كل العرب يقرؤوه ..
من اليوم وباذن الله .. ال لا لا .. والنعم نعم ..
ولا للخجل بعد اليوم ..
دمت مبدعة ..
هل تسمحيين لي بنشره ..؟؟
13 مارس 2008 في الساعة 5:53 م
دونا:
ألف شكر لقراءتك
كل الورد
.
14 أغسطس 2008 في الساعة 2:10 م
الـ”لا” موجودة ولكنها تملك قانونها ..
فهي لا أول مرة ولا ثاني مرة .. الـ”لا” الثالثة هي الحقيقية لا وليست نعم
أما إن توقفت عن الثانية .. فهي بمعنى نعم !!
لا + لا= نعم
لا+لا+لا=لا!
موضوع جميل
22 سبتمبر 2008 في الساعة 8:05 ص
وحضورك أجمل
22 فبراير 2010 في الساعة 1:13 ص
بصراحة موضوع حساس جدا ومهم نظرا لانتشاره في مجتمعنا العربي ولكن السؤال هل هو منتشر أيضا في المجتمعات الغير عربية ، وهل تمنع الفتيات (عندما تقول لا وهي راغبة ) ولا أقصد الجنس فقط وإنما في تواصلها الاجتماعي ينتمي لهذا النوع من التمنع
22 فبراير 2010 في الساعة 1:16 ص
بصراحة موضوع حساس جدا ومهم نظرا لانتشاره في مجتمعنا العربي ولكن السؤال هل هو منتشر أيضا في المجتمعات الغير عربية ، وهل تمنع( تقل الفتاة) الفتيات ينتمي لهذا النوع من التمنع
22 فبراير 2010 في الساعة 1:19 ص
بصراحة موضوع حساس جدا ومهم نظرا لانتشاره في مجتمعنا العربي ولكن السؤال هل هو منتشر أيضا في المجتمعات الغير عربية ، وهل تمنع( تقل ) الفتاة ينتمي لهذا النوع من التمنع